اشكالية الملتقى

من يستقرئ التاريخ الإنساني منذ بدايته إلى اليوم يكتشف ملاحظة مهمة، مفادها أن بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي مركز التاريخ الإنساني كله، شاء من شاء وأبى من أبى. وعليه فرسَالته رسالة خالدة وهي للعالمين عربا وعجما، ومع أن الأمر لا تشوبه شائبة إلا أن المشككين تصدوا لهذه الحقيقة بكل ما في وسعهم، وحاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه، إلا أن مشيئة القدر أبت إلا أن تكون هذه الرسالة إيذانا بميلاد حضارة لم يشهد لها التاريخ الإنساني مثيلا، حضارة امتدت من الأندلس غربا إلى تخوم الصين شرقا، حضارة شهد لها العدو قبل الصديق بأنها الحضارة التي أخرجت الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله، وأخرجته من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، العدالة التي استظل بها الجميع، ويكفينا فخرا أن الله عز وجل قال في شأنها (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة آل عمران الآية: 110]، وقال في موضع آخر (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[سورة البقرة الآية: 143]، الخيرية والوسطية مفقودتان اليوم حتى في الأمة التي نسميها إسلامية، غاب الجوهر وبقي المسمى، فلم يعد يربطنا بهذه الحضارة سوى الماضي والتاريخ.

وإيمانا منا بأن إحياء ماضي الأمة لن يكون بسرد الوقائع وذكرها، وإنما عملا جادا يربط الحاضر بالماضي عبر رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الرسالة السماوية الخالدة المتمثلة في القرآن الكريم، هذه الرسالة التي لاقى المصطفى صلى الله عليه وسلم من أجل نشرها في حياته وبعد مماته الكثير من أصناف الظلم والسخرية والاستهزاء، انطفأت كل الحروب وبقيت حرب واحدة هي الحرب على الإسلام، وعلى أهم رمز من رموزه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.

اليوم في ظل التخلف والتراجع والتقهقر الذي تعيشه الأمة الإسلامية، تواجهنا إشكالية كبيرة تتمثل في كيفية التعامل مع الماضي الحضاري لأمتنا ولرسولنَا صلى الله عليه وسلم، وكيفية جعل هذا التعامل يتحول مع مرور الزمن إلى واقع نلمسه ونعيشه، في هذا الإطار تنظم مؤسسة عمران وعلى مدار ثلاثة أيام كاملة ملتقى فكري دولي إلكتروني بعنوان: ميلادُ حضارة

ميلاد حضارة لنُصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

وهو ملتقى فكري دولي افتراضي يضم مجموعة من الدُعاة والمُفكرين والفاعلين يمثلون مختلف الهيئات والمؤسسات الوطنية والدولية من مختلف دُول العالم لعرض ما لديهم من أفكار حول المنهج النبوي الذي رسخ معالم لحَضارة تميزت عن كل الحضارات وهي الحضارة الإسلاميّة، وحاجتنا الشديدة لاستحضار ذلك الماضي في واقعنا اليوم في ظل التغيرات التي شملت العالم أجمع بصفة عامة، والعالم الإسلاميّ بصفة خاصةً، وما نراه من حرب شرسة على الإسلام والمسلمين، وهذا يساعد على ابتكار أدوات مواجهة لصد هذه الحرب وهذا العدوان من خلال مشاريع نهضوية تصب في مواجهة التحديات الراهنة والعودة التدريجية إلى الأصول الحضارية الإسلامية.

إشكالية الملتقى: الملتقى ينطلق من إشكاليات عديدة أهمها

  • هل الجيل الأول لميلاد الحضارة توفرت له ظروف ذلك الإنجاز دون كد وجهد؟ وهل وجود قائد عظيم مثل الرسول صلى الله عليه وسلم هو من كان سببا في ذلك الإنجاز؟

  • هل يمكن تجاوز مرحلة سرد الوقائع وذكر الماضي المجيد إلى تغيير الرؤية نحو الواقعية العلمية والعملية؟ وكيف يمكن إيقاظ الوعي الحضاري للأمة وربطه بجيل ميلاد الحضارة، جيل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، وصولا إلى آخر خلافة إسلامية؟ وهل الظروف الحالية هي التي تتحكم في رسم خريطة الواقع أم أن وعي الأجيال بأهمية إحياء الحضارة الإسلامية والعمل وفق هذا الهدف إنطلاقا من إمكانيات وطاقات موجودة؟

  • ما دور دعاة ومفكري الأمة في هذه المعادلة؟ وما أهم المشاريع النهضوية المعول عليها في معادلة التغيير المرتقبة؟

أهداف الملتقى

يهدف هذا الملتقى إلى إعادة بلورة رؤية جديدة عن الحضارة الإسلامية والرسول صلى الله عليه وسلم تستنير بها الأجيال الحالية والقادمة لإحداث التغيير المنشود كل من زاويته، من خلال عناصر تتمثل:

    1. في التحولات التي نعيشها وفي عالم عصفت به رياح الظلم والعنصرية والجبروت، وانقلبت موازين التحكم لمن لا يعرف قيمة الإنسان كإنسان، مستخدمة هيئات عالمية لممارسة هذا الإبتزاز.

    2. جب توفر الحافز الحضاري المستنبط من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، من خلال جعله من القرآن الكريم مصدرا لِتقوية الإيمان، وعاش بهذا المنطق ولم يتزعزع لحظة واحدة أمام مغريات الدنيا، واستطاع بهذا الإيمان الراسخ أن يحول الكثير من العادات السلبية إلى عادات إيجابية.

    3. كيف خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم الحضارات الأخرى غير الإسلامية، بخطاب رباني صادق، كفل فيه الحق دون إكراه، ورسم خريطة التعامل الصحيح مع الجميع وفي كل المواقف، في الحرب والسلم، في الغزو، في الأسْر، في المواجهة، في التفاوض، في الغنائم.

    4. ننظر إلى المدرسة التي أعطتنا نماذج فريدة ومتميزة من الطاقات وفي مختلف المجالات، مدرسة كان معلمها محمد صلى الله عليه وسلم، ربى جيلا نحاول نحن اليوم من خلاله أن نعيد ذلك المنهج لحياتنا وتنشئة الأجيال عليه، حاجتنا إلى قادة بحجم عمر وأبو بكر وعلي، وعثمان، وحاجتنا أكثر إلى قائد بحجم رسول الله صلى الله عليه وسلم في النظرة والمعاملة والحكم والعبادة والدعوة.. نقول هذا بمزيج من أسف وأمل:

  • أسف لأننا اليوم نعيش في فراغ حضاري، شارك الجميع في صنعه.

  • أمل لأننا نعمل اليوم على ربط الأجيال الحالية بميلاد حضارتهم وسِيَر قادتها وعلمائها ومصْلحيها لاسْتنهاض هممهم، وتحرير عقولهم، لتَتوفر لهم شروط النهوض.